فوزي آل سيف

10

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

تحمل الإمام الكاظم عليه السلام لأعباء الإمامة: استشهد الإمام الصادق عليه السلام سنة 148ه‍ فتحمل الإمام موسى أعباء الإمامة في جو مشحون بالتوتر، ذلك أن أبا جعفر المنصور العباسي[19] وقد سيطر على منصب الخلافة من سنة 136 إلى سنة 156ه‍، وخلالهذه السنوات العشرين، مثّل أسوأ درجات الغدر بأصحابه وأقاربه فما ظنك سيفعل فيمن يظنهم مناوئيه ومنافسيه؟ فقد غدر بعمه عبد الله بن علي بعد أن رماه بقتال أبي مسلم الخراساني ضمن مقولة أيهما قتل صاحبه فلا أبالي، ولما انهزم عمه وذهب إلى البصرة عند أخيه سليمان بن علي وعلم بذلك أبو جعفر بعث إلى سليمان يأمره بإحضار عبد الله بن علي إليه، وأعطاه الأمان لعبد الله ما جعله يثق به، فجيء به إلى المنصور سنة 139ه‍، فأمر بحبسه في بيت بني أساسه على الملح ثم أطلق عليه الماء فذاب الملح وسقط البيت على عبد الله فمات.. ولم يكن نصيب أبي مسلم الخراساني أحسن حالا منه فبعد أن وطد له ملكه وقضى على مخالفي المنصور، غدر به المنصور في قصة مفصلة بعدما أعطاه من الأمان ما يوثق به! ولم يكن حال بني الإمام الحسن المجتبى إلا أسوأ من هذين! مع أنهم لم يثقوا في أمانه وإيمانه وأيمانه! وزاد صحيفته سوادًا باغتيال الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد بالسم بعد إيذاء واضطهاد.. وتنمر في مواجهة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم فقد أرسل إلى واليه على المدينة أن أنظر من أوصى اليه جعفر بن محمد وقدمه وأضرب عنقه.[20] لقد كان الإمام الصادق عليه السلام يعرف شخصية المنصور العباسي وتعطشه للدماء ولذلك فقد سار بأسلوب مناسب فهو من جهة كان يعمل خلال عشرات السنين على الاشارة الصريحة وغير الصريحة لإمامة ابنه موسى عليه السلام، بما مر علينا آنفا مما نقلناه، من تحويله الأسئلة إليه وإعلام خلص أصحابه بفضله، حتى أصبح معروفًا بأنه وصي أبيه وخليفته من بعده، ومن جهة أخرى فقد أوصى رسميًّا إلى خمسة أشخاص أحدهم المنصور العباسي تغطية على الوصي الحقيقي، ولا ريب أن علماء شيعته عرفوا سر تلك الوصية كما أخبر عنها أبو حمزة الثمالي (قيل إنه توفي سنة 150ه‍) عندما سمع أن أعرابيًّا جاء من المدينة إلى الكوفة فأخبر أن الصادق عليه السّلام قد مات فشهق أبو حمزة الثمالي وضرب بيديه الأرض، ثم سأل الأعرابي: هل سمعت له بوصية؟ قال: أوصى إلى ابنه عبد الله وإلى ابنه موسى وإلى المنصور، فقال: الحمد للّه الذي لم يضلّنا دل على الصغير، وبيّن على الكبير، وستر الأمر العظيم، فقلت له: فسّر لي؟ فقال لي إن الكبير ذو عاهة، ودل على الصغير بأن أدخل يده مع الكبير، وستر الأمر العظيم حتى إذا سأل المنصور من وصيّه قيل أنت![21] في مثل هذا الظرف الحرج وأمام هذا الحاكم الذي جمع بين البخل على الناس والغدر بأصحابه والقسوة على منافسيه، كانت بداية إمامة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وعاصره مدة تصل إلى نحو ثمان سنوات (من 148ه‍ إلى 156ه‍). وسنعرض إلى خلاصة لملامح الدور الاجتماعي والسياسي الذي قام به الإمام عليه السلام في فترة إمامته، وأما تفاصيل ذلك فستأتي في صفحات قادمة ومواضيع مستقلة.

--> 20  الكليني، الكافي ١/٣١٠، عن أبي أيوب النحوي قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إليّ وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثا - وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه!!، قال: فرجع إليه الجواب أنه قد أوصى إلى خمسة؛ أحدهم أبو جعفر المنصور ومعه محمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة. 21  الحر العاملي، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ٤/٢٢٥